محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

107

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

الإسلامي ، أو النموذج الشيعي في عهد البويهيين . . إلخ ) ، يؤدي إلى توليد مصائر تاريخية متنوعة أو متغيرة للغة الدينية . إن البحوث والتحرّيات التي ينبغي أن تجرى حول اللغة العربية في الفترة الواقعة بين القرنين السادس والسابع الميلاديين لا ينبغي أن تقتصر على استغلال الوثائق المكتوبة . وإنما توجد طريقتان أخريتان كان الرواد الكبار قد شقّوهما ومهّدوا لهما الطريق سابقا ، وينبغي علينا استكشافهما بشكل منتظم وكامل . وهما : الطريقة الأركيولوجية ، والطريقة العرقية - اللغوية « * » . إنّ اهتمام الباحثين بنتاج المؤرّخين الكلاسيكيين والعربية الفصحى أكبر بكثير من اهتمام بعض الاختصاصيين القائل بنقوش جنوب الجزيرة العربية ، أو بالتحرّيات الميدانية الإثنوغرافية ، أو بعلم اللهجات . فهذه الميادين العلمية لم تكتسب بعد في البلدان العربية المكانة التي تستحقها أو التي تتناسب مع أهميتها المعرفية . وهذا الموقف قديم جدا وليس حديث العهد . في الواقع ، ينبغي لنا أن نعود إلى القرآن نفسه لكي نفهم منشأ هذا الموقف الذي يرمي في « ظلمات الجاهلية » تلك الشعوب أو الأقوام التي بقيت بمنأى عن « نور الإسلام » . وبالتالي ، فنحن نحتاج هنا إلى بذل جهود ضخمة لكي نعيد إلى هذه الأشياء اعتبارها . يكفي أن نضرب هنا مثلا واحدا على هذه الجهود التي ينبغي أن تبذل : ألا وهو إنجاز معجم لفظي شامل للغة العربية القديمة . ونحن نأمل أن تقدم لنا الدراسة المنتظمة لجميع اللهجات العربية المعروفة إسهامات ثمينة بهذا الصدد . 2 - الأساطير ، والشعائر ، والأديان في الشرق الأوسط القديم : هذا موضوع ضخم كان قد أثار بحوثا علمية غزيرة بقدر ما هي رائعة . والسبب هو أن اليهودية والمسيحية معنيّتان مثل الإسلام بمعرفة هذا المجال واستكشافه . ولكن لا تزال تنقصنا دراسات تمهيدية كثيرة لكي نحدد بدقة ماهية العناصر الفعلية ، أو الملائمة ، التي استعارها الخطاب القرآني من هذا التراث القديم جدا والسابق عليه . إن مصطلح « الملاءمة » حاسم وأساسي هنا من أجل القيام بإعادة القراءة هذه . لما ذا ؟ لأنه هو الذي يبيّن كل الفرق بين مجرد التراكم الأكاديمي للمعلومات عن إبراهيم مثلا والتي يقوم بها الاستشراق ، وبين دراسة المجريات الأسلوبية التي استخدمها القرآن من أجل إعادة توظيف نتف متبعثرة من

--> * يقصد أركون أن علم التاريخ الحديث لم يعد يكتفي باستغلال الوثيقة المكتوبة من أجل كتابة تاريخ مجتمع ما ، أو تراث ما ، كتراثنا نحن العرب مثلا ، وإنما أصبح يلجأ إلى وسائل أخرى تتمثّل بدراسة النقوش الموجودة على الآثار المتبقية والتي تعود إلى تلك الفترة في شبه الجزيرة العربية . وهذه هي الطريقة الأركيولوجية . كما ويمكن أن نلجأ إلى الطريقة العرقية ( الإثنولوجية ) فندرس القبائل البدوية ولغاتها ولهجاتها فلعلها تساعدنا قليلا في تخيّل الجو الذي كان سائدا قبل أربعة عشر قرنا . كل الوسائل ينبغي أن تستخدم لأن الوثائق المكتوبة والموثوقة التي وصلتنا عن تلك الفترة قليلة ما عدا القرآن ذاته .